تشمل الأطعمة الكربوهيدراتية جزءاً كبيراً من وجبات الإنسان، وتبعاً لذلك فإن أي خلل في عملية الهضم أو الامتصاص لأي نوع من أنواع الكربوهيدرات يمكن أن يكون خطيراً، فنقص أحد الإنزيمات التي تعمل على هضم وتكسير الكربوهيدرات إلى سكريات أحادية بسيطة في الدم، ينتج عنه انعدام المادة النهائية التي قد تكون ضرورية لأنسجة الجسم وخلاياه فتظهر أمراض معينة، بالإضافة إلى أن الزيادة من المادة الوسطية الناتجة قد تفضي إلى ظهور حالات سمية بالغة الخطورة.
وهناك بعض الأمراض المرتبطة بهضم وامتصاص وأيض الكربوهيدرات من الأمعاء إلى داخل الخلايا منها:
أولا-عدم تحمل سكر الحليب:
تعرف حالة "عدم تحمل سكر اللبن" بعدم قدرة الجهاز الهضمي للمريض على هضم سكر اللبن (اللاكتوز) الموجود في الحليب وبعض منتجاته، وتحلله إلى وحداته البنائية (الجلكوز والجالاكتوز)، وما تسببه من انتفاخ وآلام وإسهال في الأمعاء نتيجة تجمع الغازات داخلها.
وترجع أسباب المرض إلى عدم توفر إنزيم «اللاكتيز» الذي يحلل مائياً سكر اللبن (اللاكتوز) إلى جلوكوز، وعادة يبقى هذا الإنزيم نشطاً طوال حياة الإنسان، ويقل نشاطه أحياناً في بعض الأطفال في المرحلة العمرية بين 8 إلى 9 سنوات مما يجعل أجسامهم غير قادرة على هضم سكر اللبن بفاعلية، فيصل إلى القولون مع فضلات الطعام لتستخدمه البكتريا المحالة له والموجودة طبيعياً في الأمعاء في نشاطها، وينتج عن ذلك حجم كبير من الغازات وحمض اللبن (حمض اللاكتيك)، ويسبب هذا الحمض تهيجاً في جدران القولون وحدوث الإسهال، ويعاني عدد لا يستهان به من الناس من هذه الحالة المرضية خلال فترة حياتهم.
ويتصف معظم سكان أوروبا الذين هم من أصل أوروبي بصفة عامة بوجود مستويات كافية من إنزيم اللاكتيز في الجهاز الهضمي خلال فترة حياتهم. بينما تقل نسبة نقص الإنزيم إلى أقل من 10% في سكان شمال أوروبا وإلى 20% من الأمريكيين الذين هم من أصل أوروبي. في حين تصل النسبة في الأمريكيين الذين هم من أصل آسيوي إلى 80%، وإلى 75% للذين هم من أصل أفريقي، كما تصل النسبة إلى 70% لدى سكان منطقة البحر الأبيض المتوسط، كما ينتشر حدوث هذا المرض عند إصابة الأطفال بحالة سوء التغذية الناتجة عن نقص البروتين والطاقة.
العلاج الغذائي:
يجب وضع قيود على مقدار ما يتناوله المريض من الحليب ومنتجاته كالأرز بالحليب والأغذية الأخرى المحضرة من الحليب حسب درجة تحمل جسمه، ويمكن إضافة مستحضرات إنزيم اللاكتيز إلى الحليب قبل شربه.
ويستطيع نحو 90% من الأشخاص الذين يعانون من حالة عدم تحمل سكر اللبن تناول حوالي كوب من الحليب دون الشكوى من أعراض صحية لهذا المرض، لأن الاستبعاد الكلي للحليب من طعام الطفل له آثار سلبية على صحته، فالحليب مصدر جيد للبروتينات سهلة الهضم والعديد من العناصر المعدنية الضرورية لجسمه كالكالسيوم والفسفور وبعض الفيتامينات، كما يحتاج المريض الحصول على أغذية غنية بالعناصر المعدنية والفيتامنيات الموجودة في الحليب أو مصادرها الصيدلانية تفادياً لحدوث أعراض نقصها في جسم الطفل.
وينصح المرضى الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز بتناول لبن الزبادي والجبن بدلاً من الحليب وذلك لأن اللاكتوز الموجود بهما قد تحول جزئياً بفعل التخمر إلى حمض اللبن.
وتوجد نظريتان توضحان سبب هذا المرض هما:
-سبب وراثي، وسبب ثانوي (ناتج عن عدم تناول الأطفال الحليب بعد سن الفطام، فيؤدي ذلك إلى قصور إفراز إنزيم اللاكتيز في مرحلة الطفولة أو في سن البلوغ، أي أنها عملية تكيف).
ثانياً- داء الســكري:
ينتج داء السكري من نقص أو عدم إفراز هرمون الأنسولين من خلايا البنكرياس، وهذا الهرمون يعمل على عبور السكر من الدم إلى داخل الخلايا للاستفادة منه. ونظراً لأن تلك الحالة تلازم المريض طوال حياته، فلابد إذن من مشاركة المريض وتفهمه لكل طرائق العلاج، حتى نقلل من خطورة المرض والتي قد تكون أعراضه حادة كالغيبوبة نتيجة زيادة أو نقص السكر في الدم أو أعراض مزمنة كأمراض تصلب الشرايين أو نزف في الشبكية وفقدان البصر أو أمراض الكلى. وداء السكري نوعان:
النوع الأول يعتمد على الأنسولين وغالباً ما يصاب به الإنسان منذ الطفولة وفيه لا يفرز الأنسولين في الجسم على الإطلاق وعادة ما يكون المصاب به نحيفاً.
النوع الثاني لا يعتمد على إفراز الأنسولين بمعنى أن المصاب به لديه قلة في إفراز الأنسولين وعادة يصاب به الإنسان بعد سن الأربعين وخصوصاً لمن يعاني إفراطاً في الوزن.
داء السكري خلال الحمل:
يلاحظ أن الهرمونات التي تفرز بواسطة المشيمة في أثناء الحمل لها تأثير مضاد لهرمون الأنسولين، مما قد يظهر أعراض داء السكري خلال فترة الحمل وخصوصاً في السيدات اللاتي تنتشر أعراضه في عائلاتهن، ولذلك لابد للحامل خلال مراحل الحمل من إجراء تحاليل بصورة منتظمة لتحديد مستوى السكر في البول أو الدم. وفي حالة ظهور داء السكري الحملي لابد للحامل من استعمال نظام غذائي معين. وقد يحتاج الأمر إلى أخذ حقن الأنسولين.
ومن الملاحظ أن أعراض داء السكري تنتهي بانتهاء الحمل، ومن المهم المراقبة والإشراف الطبي لمرضى داء السكري سواء كان المرض نتيجة الحمل أو قبله. حيث إن عدم الإشراف الطبي قد يؤدي إلى زيادة حجم الجنين مما يؤدي إلى ولادة مبكرة، وزيادة في التعرض للتشوهات الخلقية.
الحمية في تنظيم داء السكري:
هناك هدفان رئيسيان للتنظيم الغذائي لمرضى السكري هما: التحكم في تركيز جلوكوز الدم ليكون أقرب ما يمكن إلى المستوى الطبيعي، وتقليل خطورة انخفاض مستوى سكر الدم للأفراد الذين يعالجون بالأنسولين. وخلال العقدين السابقين حدثت تغيرات جذرية في النصائح الغذائية لمرضى داء السكري حول كيفية التحكم في جلوكوز الدم. وبصورة عامة، كان ينصح قديماً بالامتناع عن تناول الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات فنتج عن ذلك تناول الأطعمة الغنية بالدهون مما أدى إلى ظهور مضاعفات أمراض الأوعية الدموية والقلب على مرضى داء السكري، لذلك تراجعت النصيحة بالامتناع عن تناول الكربوهيدرات. وبناء على ذلك تم التشجيع على تناول الكربوهيدرات المركبة وتجنب السكريات البسيطة.
وقد ظهرت في السنين الأخيرة نتيجة الأبحاث العلمية والتجارب الميدانية على الأفراد الأصحاء والمصابين بداء السكري عند تناولهم أطعمة حقيقية وليست محاليل سكرية أو نشوية بأن فكرة الكربوهيدرات المركبة أو البسيطة لا تدلل على كيفية سلوك أو تعامل هذه الكربوهيدرات مع جسم الإنسان، فالاستجابة الفيزيولوجية للأطعمة عملية معقدة.
لذلك فإن الاعتقاد القديم بأن هضم الكربوهيدرات المركبة (النشويات) مثل الأرز والبطاطس وامتصاصها يكون بطيئاً وبالتالي يرتفع تدريجياً مستوى السكر في الدم، في حين أن السكريات البسيطة يكون هضمها وامتصاصها سريعاً مما يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستوى السكر في الدم، وقد أصبح هذا الاعتقاد عديم الجدوى.
أظهرت النتائج العلمية الحديثة كذلك أن الكثير من الأطعمة النشوية (الخبز، البطاطس، والكثير من أنواع الأرز) يتم هضمها وامتصاصها سريعاً، عكس ما كان يعتقد. كذلك الحال عند تناول كمية معتدلة من الأطعمة السكرية مثل الحلويات والآيس كريم، فإن ارتفاع مستوى السكر في الدم لا يكون بصورة مفاجئة كما كان يعتقد أيضاً. والحقيقة أن الأطعمة المحتوية على السكر تظهر ارتفاعاً بسيطاً إلى معتدل في مستوى سكر الدم أقل من مستوى الارتفاع الناتج عن بعض الأطعمة الأخرى مثل الخبز على سبيل المثال.
وتظهر التوصيات الحديثة عن احتياج مرضى داء السكري من الكربوهيدرات تقدر بحوالي 50 إلى 60% من السعرات الحرارية الكلية اليومية. ويفضل تناول قدر أكبر من السكريات المركبة لأنها تحتوي على عناصر غذائية أخرى مثل الألياف والفيتامينات والمعادن، مع أن الأطعمة التي تحتوي على سكر الطعام (السكروز) لم تعد ممنوعة بشرط أن يتم حسابها ضمن السعرات الحرارية التي يتناولها المريض يومياً.
وتعتمد التفرقة بين الأطعمة السكرية والأطعمة النشوية أو بين الكربوهيدرات البسيطة والمركبة على التحليل الكيميائي للأطعمة، في حين أن جسم الإنسان لا يفرق بين هذه المركبات.
ثالثاً: الدم الجلاكتوزي
هذا المرض من الأمراض الوراثية النادرة، وينتج من عدم القدرة على تحويل سكر الجلاكتوز إلى الجلوكوز لنقص الإنزيم الخاص بذلك، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبته في الدم والكبد والكليتين وقشرة المخ.
وتبدأ الأعراض بصعوبة في الإطعام من قيء ويرقان للوليد ثم تضخم الكبد والطحال، وانخفاض حاد لجلوكوز الدم، وعتامة عدسة العين، وتخلف عقلي.
العلاج الغذائي
استبعاد الحليب من تغذية الطفل الرضيع سواء من ثدي أمه أو من مستحضرات الحليب الصناعي، واستبداله بنوع من الحليب المصنع من فول الصويا، مع عدم استعمال سكر الحليب (اللاكتوز) في طعامه لأن أحد مكوناته هو الجلاكتوز.
رابعاً: أمراض تخزين الجليكوجين
يستطيع الكبد والعضلات خزن الزائد من سكر الدم في صورة جليكوجين، حيث يتكون الجليكوجين من عدد كبير من وحدات الجلوكوز، وعند حدوث اضطراب في تركيب جزء الجليكوجين أو زيادة تركيزه يحدث ما يسمى بأمراض تخزين الجليكوجين، وهي عدة أنواع معظمها نادر الحدوث في الإنسان، وتكتشف جميعها خلال مرحلة الرضاعة فيما عدا النوع الخامس منها ويعرف بمرض ماكاردل الذي يحدث في الأشخاص البالغين.
وتحدث أمراض تخزين الجليكوجين نتيجة حالات نقص في إنزيم معين يساعد في عملية تحلل أو تكوين الجليكوجين في جسم الإنسان، وجميعها حالات متوارثة وتتصف بزيادة تجمع هذا المركب في الكبد والعضلات أو الاثنين معاً، وانخفاض في مستوى سكر الدم نتيجة قصور تحرك سكر الجلوكوز عند الاحتياج له.
وقد عرف العلماء نحو" 12 " نوعاً من أمراض تخزين الجليكوجين في الإنسان، ونسبة حدوثها جميعاً هي حالة لكل "40000 " نسمة وقد تظهر بعض أعراض هذه الأمراض في صورة تضخم أو تليف للكبد، وانخفاض مستوى جلوكوز الدم مع زيادة الحموضة، وفقدان في أنسجة عضلات الجسم، والتهابات بالجهاز الهضمي، وتقلصات بالعضلات مع التمارين الرياضية.
العلاج الغذائي:
يحتاج مرضى النوع الأول من أمراض تخزين الجليكوجين باستمرار إلى محاليل سكر الجلوكوز تفادياً لظهور حالة انخفاض سكر الدم الشائع حدوثها لهم، وترتفع نسبة الموت بينهم في عمر مبكر ويعيش القليل منهم بعد مرحلة الطفولة، كما يجب أن تكون الوجبات الغذائية للمريض صغيرة الحجم وكثيرة العدد، مع استعمال المريض حمية غذائية ذات محتوى بروتيني مرتفع خلال حياته.