النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: بعض الفتاوي الهامة في حياتنا

  1. #1
    Junior Engineer
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    egypt
    المشاركات
    13

    بعض الفتاوي الهامة في حياتنا

    فوائد البنوك
    س: كنت موظفًا أتقاضى راتبًا متوسطًا ، وكنت أوفر منه مبلغًا أودعه البنك وأتقاضى عليه فائدة ، فهل يصح لي ذلك أم لا ، علمًا بأن المرحوم الشيخ شلتوت أفتى بجواز هذه الفوائد وسألت بعض العلماء ، فمنهم من أجازها ومنهم من منعها . ومما أذكره أني كنت أدفع زكاة مالي ، ولكن فائدة البنك كانت تزيد علن المبلغ الذي أخرجه .
    وإن كانت الفائدة غير جائزة فماذا أفعل بها ؟
    ج: أن الفوائد التي يأخذها المودع من البنك ، هي ربا محرم ، فالربا : هي كل زيادة مشروطة على رأس المال . أي ما أخذ بغير تجارة ولا تعب ، زيادة على رأس المال فهو ربا . ولهذا يقول الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ، لا تظلمون ولا تظلمون ) البقرة : 279
    فالتوبة معناها هنا أن يبقى للإنسان رأس ماله ، وما زاد على ذلك فهو ربا . والفوائد الزائدة على رأس المال ، جاءت بغير مشاركة ولا مخاطرة ولا مضاربة ولا شئ من المتاجرة .. فهذا هو الربا المحرم. وشيخنا الشيخ شلتوت لم يبح الفوائد الربوية فيما أعلم ، وإنما قال : إذا وجدت ضرورة - سواء كانت ضرورة فردية أم ضرورة اجتماعية - يمكن عندها أن تباح الفوائد ، وتوسع في معنى الضرورة أكثر مما ينبغي. وهذا التوسع لا نوافقه عليه رحمه الله .
    وإنما الذي أفتى به الشيخ شلتوت هو صندوق التوفير ، وهو شيء آخر غير فوائد البنوك . وهذا أيضًا لم نوافقه عليه .
    فالإسلام ، لا يبيح للإنسان أن يضع رأس ماله ويأخذ ربحًا محددًا عليه ، فإنه إن كان شريكًا حقًا ، فيجب أن ينال نصيبه في الربح وفي الخسارة معًا ، أيًا كان الربح ، وأيًا كانت الخسارة .
    فإذا كان الربح قليلاً شارك في القليل ، وإذا كان كثيرًا شارك في الكثير ، وإذا لم يكن ربح حرم منه، وإذا كانت خسارة تحمل نصيبه منها ، وهذا معنى المشاركة في تحمل المسئولية .
    أما ضمان الربح المحدد ، سواء كان هناك ربح أو لم يكن ، بل قد يكون الربح أحيانًا مبالغ طائلة تصل إلى 80% أو 90% وهو لا ينال إلا نسبة مئوية بسيطة لا تتجاوز 5% أو 6% أو قد تكون هناك خسارة فادحة ، وهو لا يشارك في تلك الخسارة … وهذا غير طريق الإسلام … وإن أفتى بذلك الشيخ شلتوت رحمه الله وغفر له .
    فالأخ الذي يسأل عن فوائد البنوك : هل يأخذها أم لا ؟ أجيبه : بأن فوائد البنوك لا تحل له ، ولا يجوز أخذها . ولا يجزيه أن يزكي عن ماله الذي وضعه في البنك ، فإن هذه الفائدة حرام ، وليست ملكًا له ،ولا للبنك نفسه ، في هذه الحالة … ماذا يصنع بها ؟
    أقول : إن الحرام لا يملك ، ولهذا يجب التصدق به ، كما قال المحققون من العلماء ، بعض الورعين قالوا بعدم جواز أخذه ولو للتصدق .. عليه أن يتركه أو يرميه في البحر، ولا يجوز أن يتصدق بخبيث.
    ولكن هذا يخالف القواعدة الشرعية في النهي عن إضاعة المال وعدم انتفاع أحد به . لابد أن ينتفع به أحد .. إذن ما دام هو ليس ملكًا له ، جاز له أخذه والتصدق به على الفقراء والمساكين ، أو يتبرع به لمشروع خيري، أو غير ذلك مما يرى المودع أنه في صالح الإسلام والمسلمين .. ذلك أن المال الحرام كما قدمت ليس ملكًا لأحد ، فالفائدة ليست ملكًا للبنك ولا للمودع ، وإنما تكون ملكًا للمصلحة العامة ، وهذا هو الشأن في كل مال حرام ، لا ينفعه أن تزكى عنه ، فإن الزكاة لا تطهر المال الحرام ، وإنما الذي يطهره هو الخروج منه ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلمإن الله لا يقبل صدقة من غلول )(رواه مسلم) . والغلول هو المال الذي يغله الإنسان ويخونه من المال العام. لا يقبل الله الصدقة من هذا المال لأنه ليس ملكًا لمن هو في يده .
    وهل يترك تلك الفوائد للبنك ، لأنها محرمة عليه ؟
    لا يتركها ، لأن هذا يقوي البنك الذي يتعامل بالربا ، ولا يأخذها لنفسه ، وإنما يأخذها ويتصدق بها في أي سبيل من سبل الخير .
    قد يقول البعض : إن المودع معرض للخسارة إذا خسر البنك وأعلن إفلاسه مثلا ، لظرف من الظروف ، أو لسبب من الأسباب .
    وأقول لمثل هذا بأن تلك الخسارة أو ذلك الإفلاس لا يبطل القاعدة ، ولو خسر المودع نتيجة ذلك الإفلاس ، لأن هذا بمثابة الشذوذ الذي يثبت القاعدة ، لأن لكل قاعدة شواذ ،والحكم في الشرائع الإلهية - والقوانين الوضعية أيضًا - لا يعتمد على الأمور الشاذة والنادرة .. فإن الجميع متفق على أن النادر لا حكم له ، وللأكثر حكم الكل . فواقعة معينة لا ينبغي أن تبطل القواعد الكلية .
    القاعدة الكلية هي أن الذي يدفع ماله بالربا يستفيد ولا يخسر ، فإذا خسر مرة من المرات فهذا شذوذ ، والشذوذ لا يقام على أساسه حكم .
    وقد يعترض سائل فيقول : ولكن البنك يتاجر بتلك الأموال المودعة فيه ، فلماذا لا آخذ من أرباحه؟ وأقول : نعم إن البنك يتاجر بتلك الأموال المودعة فيه . ولكن هل دخل المودع معه في عملية تجارية ؟ طبعًا لا .
    لو دخل معه شريكًا من أول الأمر ، وكان العقد بينهما على هذا الأساس ، وخسر البنك فتحمل المودع معه الخسارة ، عندئذ يكون الاعتراض في محله ،ولكن الواقع أنه حينما أفلس البنك وخسر، أصبح المودعون يطالبون بأموالهم ، والبنك لا ينكر عليهم ذلك ، بل قد يدفع لهم أموالهم على أقساط إن كانت كثيرة ، أو دفعة واحدة إن كانت قليلة .. على أي حال ، فإن المودعين لا يعتبرون أنفسهم مسئولين ولا مشاركين في خسارة البنك ، بل يطالبون بأموالهم كاملة غير منقوصة .
    العمل في البنوك
    س: تخرجت في كلية التجارة وسعيت في طلب الرزق فلم أجد إلا عملا بأحد البنوك ولكني أعلم أن من أعمال البنوك ما يقوم على الربا كما أعلم أن الدين لعن كاتب الربا . فهل أقبل هذا العمل أم أرفضه علمًا بأنه مصدر رزقي ؟
    ج: النظام الاقتصادي في الإسلام يقوم على أساس محاربة الربا ، واعتباره من كبائر الذنوب التي تمحق البركة من الفرد والمجتمع ، وتوجب البلاء في الدنيا والآخرة نص على ذلك الكتاب والسنة ، وأجمعت عليه الأمة ، وحسبك أن تقرأ في ذلك قول الله تعالى : ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ، والله لا يحب كل كفار أثيم ) البقرة : 276. ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) البقرة : 278-279.
    وقول رسوله : ( إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله ) رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ..
    وسنة الإسلام في تشريعاته وتوجيهاته أن يأمر المسلم بمقاومة المعصية ، فإن لم يستطع كف يده - على الأقل - عن المشاركة فيها بقول أو فعل ، ومن ثم حرم كل مظهر من ظاهر التعاون على الإثم والعدوان ، وجعل كل معين على معصية شريكًا في الإثم لفاعلها ، سواء أكانت إعانة بجهد مادي أم أدبي ، عملي أم قولي .
    ففي جريمة القتل يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار ) رواه الترمذي وحسنه .
    وفي الخمر يقول : ( لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ) رواه أبو داود وابن ماجة .
    وفي جريمة الرشوة يلعن الرسول : ( الراشي والمرتشي والرائش - وهو الساعي بينهما ) - كما روى ابن حبان والحاكم .
    وفي الربا يروي جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه - وقال : ( هم سواء ) رواه مسلم ، ويروي ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي. وصححه وأخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه،ورواه النسائي بلفظ (آكل الربا ومؤكله وشاهداه - إذا علموا ذلك - ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ) .
    وهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة هي التي تعذب ضمائر المتدينين الذين يعملون في مصارف أو شركات لا يخلو عملهم فيها من المشاركة في كتابة الربا وفوائد الربا .
    غير أن وضع الربا لم يعد يتعلق بموظف في بنك أو كاتب في شركة ، إنه يدخل في تركيب نظامنا الاقتصادي وجهازنا المالي كله ، وأصبح البلاء به عامًا كما تنبأ رسول الله : ( ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره ) رواه أبو داود وابن ماجة .
    ومثل هذا الوضع لا يغير فيه ولا ينقص منه امتناع موظف عن تسلم عمله في بنك أو شركة ، وإنما يغيره اقتناع الشعب - الذي أصبح أمره بيده وحكمه لنفسه - بفساد هذا النظام المنقول عن الرأسمالية المستغلة ، ومحاولة تغييره بالتدرج والأناة ، حتى لا تحدث هزة اقتصادية تجلب الكوارث على البلاد والعباد ، والإسلام لا يأبى هذا التدرج في علاج هذه المشكلة الخطيرة ، فقد سار على هذه السنة في تحريم الربا ابتداء كما سار عليها في تحريم الخمر وغيرها .
    والمهم هو الاقتناع والإرادة ، وإذا صدق العزم وضح السبيل .
    وعلى كل مسلم غيور أن يعمل بقلبه ولسانه وطاقته بالوسائل المشروعة لتطوير نظامنا الاقتصادي ، حتى يتفق وتعاليم الإسلام ، وليس هذا ببعيد ، ففي العالم دول تعد بمئات الملايين لا تأخذ بنظام الربا ، تلك هي الدول الشيوعية .
    ولو أننا حظرنا على كل مسلم أن يشتغل في البنوك لكانت النتيجة أن يسيطر غير المسلمين من يهود وغيرهم على أعمال البنوك وما شاكلها ، وفي هذا على الإسلام وأهله ما فيه .
    على أن أعمال البنوك ليست كلها ربوية فأكثرها حلال طيب لا حرمة فيه ، مثل السمسرة والإيداع وغيرها ، وأقل أعمالها هو الحرام ، فلا بأس أن يقبله المسلم - وإن لم يرض عنه - حتى يتغير هذا الوضع المالي إلى وضع يرضي دينه وضميره ، على أن يكون في أثناء ذلك متقنًا عمله مؤديًا واجبًا نحو نفسه وربه ، وأمته منتظرًا المثوبة على حسن نيته ( وإنما لكل امرئ ما نوى ) .
    وقبل أن نختم فتوانا هذه لا ننسى ضرورة العيش ، أو الحاجة التي تنزل - عند الفقهاء - منزلة الضرورة ، تلك التي تفرض على صاحب السؤال قبول هذا العمل كوسيلة للتعيش والارتزاق والله تعالى يقول : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) .
    الحكمة في الاغتسال من الجنابة

    س: تناقشت مع أحد الأصدقاء في وجوب الغسل بعد الجماع، فكانت دهشتي أن يقول لي: إنه لا يفهم حكمة لغسل الجسم كله بعد الاتصال بالزوجة، ولذلك يكتفي في بغسل الأعضاء التناسلية فقط في مثل هذه الحالة، وحاولت أن أقنعه فلم يقتنع.
    أرجو توضيح ذلك وشكرا.
    ج: الغسل بعد الجنابة فريضة إسلامية ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع.
    فمن الكتاب قوله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا)المائدة:6، وقوله (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا -إلا عابري سبيل- حتى تغتسلوا)النساء:43.
    ومن السنة أحاديث كثيرة غزيرة متفق عليها.
    وقد أجمع المسلمون من كل المذاهب وفي كل القرون على أن الغسل فرض بعد الجماع والإنزال، وأصبح هذا الحكم من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، بحيث يخرج من أنكره عن زمرة المسلمين، ولا يستحق اسم الإسلام، إلا أن يكون حديث عهد بدخول الإسلام، أو ناشئا ببادية بعيدة عن مصادر المعرفة في أمصار المسلمين.
    أما السؤال عن الحكمة من تعميم الجسد كله بالماء في حين أن الذي أصابه القذر جزء صغير منه، فنحن نقدم للجواب بهذا المثال:
    إذا وصف الطبيب للمريض دواء يأخذ منه ملعقة قبل كل وجبة، ودواء آخر يأخذ منه ملعقتين بعد الأكل، ودواء ثالثا يشتمل على حبوب وأقراص يتناول منه عددا معينا في مواقيت محددة. فهل من شأن المريض أن يقول للطبيب: لماذا كان هذا قبل الأكل وذاك بعده؟ ولما أتناول من الحبوب الكبيرة ثلاثا ومن الصغيرة واحدة؟
    وهل تتسع مداركه ومعارفه ليشرح له الطبيب الحكمة في ذلك مفصلة، ويقفه على أسرار تركيب الدواء وملاءمته لإزالة الداء؟؟
    هذا بالضبط هو ما نقوله لمن يريد أن يعرف أسرار تفاصيل العبادات -ومنها الطهارة والغسل-، فالعبادات -كما قال الإمام الغزالي- أدوية للقلب الإنساني، تشفيه من مرض الغفلة والغرور والنسيان لحق الله تبارك وتعالى. ومن حق الله سبحانه أن يستأثر بسر تركيب هذه الأدوية الروحية، وقد يتفضل فيطلعنا على شيء منها. وحسب المؤمن أن يعلم أنه تعالى لا يصف لنا إلا ما فيه خيرنا وصلاحنا (والله يعلم المفسد من المصلح)البقرة:220.(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟) الملك:14.
    وكم من أمور تعبدنا الله بها لم نكن نعرف سرها، ثم تقدمت عجلة الزمن وكشف العلم عما في أمر الله ونهيه من حكم ومنافع.
    إن الأصل في العبادات أن تؤدى امتثالا لأمر الله، وشكرا لنعمته، سواء عرف الإنسان كل الحكمة منها أم لم يعرف فالعبد عبد، والرب رب، للرب أن يأمر وينهى وعلى العبد أن يسمع ويطيع. ولو كان الإنسان لا يطيع الله إلا فيما اقتنع به عقله المحدود لكان في هذه الحالة مطيعا لعقله لا مطيعا لربه. وليختر المؤمن لنفسه.
    ومع كل ما ذكرنا فإن الاغتسال بعد الجماع لا يخلو من حكمة لمن أنصف وتأمل ونظر نظرة أعمق.
    ويعجبني هنا ما قاله الإمام ابن القيم ردا على من عجب من تفرقة الشارع بين المنى والبول فأوجب الغسل من المنى دون البول قال:
    "هذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة، فإن المنى يخرج من جميع البدن. ولهذا أسماه الله "سلالة" لأنه يسل من جميع البدن، فتأثر البدن بخروجه أعظم من تأثره بخروج البول.
    وأيضا فإن الاغتسال من خروج المنى من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. فإنها تقوى بالاغتسال، والغسل يخلف على البدن ما تحلل منه بخروج المنى وهذا أمر يعرف بالحس.
    وأيضا فإن الجنابة توجب ثقلا وكسلا، والغسل يحدث له نشاطا وخفة، ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيت عني حملا.
    وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم، ونظرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب.. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويخلف عليه ما تحلل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر.. ويكفي شهادة الفطرة والعقل بحسنه.. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة تمنعه حكمة الله ورحمته وإحسانه إلى خلقه".أهـ
    أما مشقة الغسل بعد الجماع فهي محتملة، لعدم تكرر الجماع تكرر البول، وكأن هذه المشقة الجزئية جعلت حاجزا أو لجاما يحول بين الإنسان وبين الاندفاع وراء الغريزة، والإسراف في الاتصال الجنسي. وضرر ذلك لا شك فيه.
    ويلوح لي سر آخر: إن المؤمن لا يعيش لغريزته وشهواته فحسب، ولكنه يعيش لرسالة الله قبل أي شيء آخر، ولله تعالى عليه حق في كل عمل. وفي الجماع قد أدى حق نفسه وحق زوجه بقضاء الشهوة بقي حق الله تعالى وهو ما يؤديه بالاغتسال. على أن من حكمة الله تعالى أنه ربط نظافة الإنسان بأسباب طبيعية لا يمكنه الفرار منها -كخروج شيء من السبيلين في الوضوء، وكالجماع في الغسل -لتكون هذه الأسباب المتكررة سياطا تسوق الإنسان وإن تراخى وتكاسل- إلى نظافة أطرافه أو نظافة جسده كله.
    ونختم هذه الكلمة بما ختم الله به آية الطهارة من سورة المائدة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون)المائدة:6.
    صلاة من يشرب الخمر

    س: ما قولكم في إنسان يشرب الخمر ويصلي؟
    ج: هذا أمر مؤسف حقا. فالصلاة الحقيقية كما شرعها الله عز وجل، تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال الله ورسوله: (وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر)العنكبوت:45.
    والخمر لا شك من أكبر المنكرات، لما فيها من إضرار بالعقل والصحة والمال والشخصية، فضلا عن أثرها على الأسرة والمجتمع.
    فإذا كان الإنسان ضعيف الإيمان، ضعيف اليقين، رقيق الدين، وحدث أن سول له شيطانه شرب الخمر، فالخمر -على كل حال- عند جمهور الفقهاء نجسة، والسكر منها يحول دون إقامة الصلاة كما قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)النساء:43.
    فإذا أفاق وغسل أثر الخمر، وتوضأ وصلى، فالمرجو إن شاء الله أن تكون صلاته في ذاتها مقبولة، وأن صلاته ستنهاه يوما عن مثل هذا المنكر، وسيرتدع عن مثل هذا الأمر.
    هذه فريضة يؤديها وهي الصلاة، وتلك جريمة يرتكبها وهي شرب الخمر، هذا عمل صالح، وذلك عمل سيئ. والله سبحانه وتعالى يحاسب الإنسان بالحسنات والسيئات… كل بمقدار لا يختل ولا ينقص مثقال ذرة…
    حسناته مرصودة له، وسيئاته مكتوبة عليه. (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)الزلزلة:7،8.
    الصلوات مكتوبة له، وشرب الخمر -أم الخبائث- مكتوب عليه.
    لا نقول له: مادمت تشرب الخمر فاترك الصلاة… ذلك، لأن الذي يصلي مأمول فيه إن شاء الله أن يرتدع ويمتنع عن أم الخبائث.
    ولو سألتني: أيهما أولى، رجل يشرب الخمر ولا يصلي، ورجل يشرب الخمر ويصلي؟ لقلت: الذي يشرب ويصلي أفضل على كل حال وأقل سوءا من الآخر… لأنه مرجو له الخير، وإن كان بعيدا عن إقامة الصلاة إقامة حقيقية مع تناوله للخمر، وبعيدا عن المحافظة عليها محافظة المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله (…. والذين هم على صلواتهم يحافظون)المؤمنون:9 وفرق بين من يبيت ولسانه رطب بذكر الله تعالى، وبين من ينام وفمه رطب بأم الخبائث ممتلئ برائحتها… وهو غائب الوعي… مخبول العقل…
    شتان بين هذا وذاك.

    محنة الفرد المسلم في مجتمع لا يحكمه الإسلام
    يا صاحب الفضيلة . هذه هي المرة الثالثة التي أوجه فيها رسالتي إليكم . وأكتفي هنا بأن أسجل صورة ملخصة للرسالتين السابقتين .
    إني أكتب هذه الرسالة إلى فضيلتكم مبتدئًا إياها بتهنئتكم على ما وهبكم الله من سعة الإطلاع وغزارة العلم ، ونظرتكم الثاقبة إلى المسائل الدينية والدنيوية ، ثم توجيهاتكم القيمة . ولا أخال فضيلتكم إلا أن تعتبروني صادقًا فيما أقول ، لأنه ليس ثمة ما يدعوني إلى سوى الصدق.
    هذه الرسالة -سيدي - لا أريد الجواب عليها بالراديو أو التلفاز ، فهي شخصية بحتة ، ولهذا تجد فضيلتكم مع هذا ظرفًا معنونًا باسمي .
    يا صاحب الفضيلة ، قد ظهر في هذا العصر أمور ومعاملات لم تكن موجودة أيام الصحابة والتابعين والأئمة ، وأنا أعلم أن الإسلام غير عاجز عن حلها . ولكن أين المجتهدون ؟ ولو وجدوا ، فمن يجمعهم لحل كل غامض ؟ ثم أيضًا أين هم العلماء الذين صارعوا الحياة المادية ( التجارة ومشاكلها ، وتغير النظم ومتاعبها ، وتجدد المعاملات بأنواعها ) فعلا ، فعرفوا قسوتها وذاقوا أتعابها ؟ إن أغلب علماء الدين يعرفون فقط ما دونته كتب الفقه القديمة عن المعاملات والجنايات وغيرها ، لمجرد وظيفة قضاء وما أشبهها . ولذلك فهم لا يعرفون مدى الصعوبات التي تدونها الكتب ، مع أن الحل موجود في الكتاب والسنة ، إما بالنصوص الخاصة أو بالنصوص العامة ، ولو وجد التعمق والاجتهاد. مثلهم بذلك مثل الطبيب الذي يصف الدواء من الكتاب مع صرف النظر عن ظروف المرض والمريض. فأين أمثال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي منع قطع يد السارق ، ومنع الزكاة عن المؤلفة قلوبهم ، ومنع حد شارب الخمر .. الخ لظروف خاصة ، ورغم وجود آيات ناصة ، فذلك هو العلم الصحيح والاجتهاد الحي ، الذي حق للإسلام أن يسمى به " الملة السمحة " .
    ومن المتأخرين ، زار البلاد الأجنبية التي أنا صاحب تجارة فيها ، شيخان عربيان من الراسخين في العلم ( لم أسترخصهما بأن أذكر اسمهما ، إنما يعرفهما فضيلتكم حق المعرفة ) فعرضت عليهما مسائل كان في خاطري منها شيء ، منها التأمين على البضائع المشحونة وغيرها لأن أهلها يصرون على ذلك ، أو نعوضهم نحن عما يتلف .
    ومنها : الاقتراض من البنوك لتوسعة العمل ومنه الكسب ، وكل هذه تشتمل على مبالغ ضخمة لا يمكن تطبيق ما جاء في الكتب عليها ، ولا العملاء ولا البنوك يوافقون على غير أنظمتهم بها .
    فأجاب أحدهما حفظه الله أنه لا يقدر أن يفتي بمثل هذه المسائل لأنها تحتاج إلى اجتهاد فإجماع. فقلت له : إني لا أطلب فتوى ولكن أريد رأيه الخاص بهذه المسائل المستجدة . فأجابني أنه إذا كانت المسألة مسألة إبداء رأي فهو حسب الظروف الراهنة لا يرى بأسًا بهذين الأمرين.
    أما الثاني فهو مبدئيًا لم يتردد بأن يقول لي " لا بأس " إنما اشترط أن يكون المؤمن عنده شركة غير مسلمة ، وأضاف أن المرحوم الشيخ بخيت أفتى بذلك .
    والآن قد استجد عندي مسألة ثالثة ، لا أطلب من فضيلتكم الفتوى من جهتها ، وإنما ألتمس أن تتكرموا بإبداء رأيكم فيها ، لأنها في الواقع مسألة عويصة وفي الصميم .
    والمسألة هي : أنا صاحب تجارة في بلاد أجنبية ليس لها دين رسمي في دستورها ، إنما حكومتها خليط من المسلمين وغيرهم ، وكل منهم يتبع القوانين الغربية ، وسكانها فيهم المسلمون وغير المسلمين ، وحكومتها تقول : إن كل ما تجبيه من مكوس وضرائب وجمارك …الخ هو لفائدة الشعب - مسلميهم وغير مسلميهم - ولكن المصيبة أن ضرائب تلك البلاد تصاعدية وباهظة فوق ما يتصوره العقل أو ترضى به النفس والذوق السليم . فلو كانت تلك الضرائب معقولة لهان الأمر ولم يظهر لديّ أي مشكلة . ولنأخذ أمثلة من ضرائبهم التصاعدية للدخل السنوي ، ( تاركين العشرات من أنواع الضرائب الأخرى ) ليتخيلها فضيلتكم :
    1. إذا كان دخلك السنوي 40,000 فالضريبة عليه 12,000
    2. إذا كان دخلك السنوي 100,000 فالضريبة عليه 75000
    3. إذا زاد دخلك السنوي عن 100,000 تصل الضريبة إلى 89 % .
    4. إذا جمعنا كل أنواع الضرائب التي يدفعها الإنسان سنويًا فقد تصل إلى 108 % من دخله . أي أنه يصرف على بيته وأيضا يدفع 8% من رأس المال ( لأن المصرف البيتي والشخصي لا يخصم من الدخل قبل تقدير الضريبة ) فأنا شخصيًا دفعت في العام الماضي : 70,000 كضريبة دخل فقط .
    فالسؤال الآن هو : هل يمكنني أن أنوي ما أدفعه أنه للقسم المسلم من السكان . وبذلك تسقط الزكاة لأني لو أخرجتها فوق ما أدفع للحكومة من تلك لثقل الحمل على كاهلي ؟
    وقبل أن تبدوا رأيكم بهذا السؤال ، أعرف أن لدى حضرتكم بعض الملاحظات عليه ، فها أنا أوضحها:
    ملاحظة فضيلتكم الأولى : ( أنت لم تدفع المبلغ اختيارًا ، بل جبرًا ) .
    جوابي : نعم ، ولو دفعته اختيارًا لما عرضت لي هذه المشكلة ، ولم يكن لزوم بحثها . أيضًا بإمكاني أن أنويها للمسلمين طوعًا لا كرهًا ، أو أنوي ما يجب إخراجه لهم .
    وفيما يلي أختصر بعض الملاحظات والجواب عليها . إذ كانت مطولة في أصل الرسالة .
    ملاحظة فضيلتكم الثانية : لم لا تترك هذه البلاد ؟
    الجواب : حكومة تلك البلاد اشتراكية فلا تسمح لي بإخراج نقودي من بلادهم .
    ملاحظة ثالثة : اخرج بنفسك ودع نقودك وابدأ العمل من جديد في بلاد عربية غير اشتراكية.
    الجواب : أنا الآن في ال65 من العمر ، ومع أني ولله الحمد محتفظ بحيويتي ، فالذي بعمري لا أقول : لا يمكنه ، بل أقول : إن ظروفه غير ظروف الشباب . وأنا علي مسئوليات عائلية ، ولي منزلة اجتماعية لا يسهل إزاءها التقشف .
    ملاحظة رابعة : هل تشكو من مرض ؟
    الجواب : جسماني لا ، ولكني مرهق عقليًا ومتوتر عصبيًا . وإلى حد ما فإنني بسبب ذلك خائر القوى ، فاقد الطمأنينة والاستقرار .
    ملاحظة خامسة : لماذا لا تعرض نفسك على طبيب نفساني ؟
    الجواب : لم أترك بابًا إلا طرقته . وقد هالني أن من يسمون أطباء نفسانيين هم أحوج الناس إلى العلاج . إذن لا يوجد طبيب نفساني بحق على الإطلاق . وإني أرى أن طبيبي النفساني يكمن في عالم ديني مثقف ، واسع الإطلاع ، مجرب ، يراعي الظروف والأحوال ، وإني أرجو الله أني في هذه الرسالة قد وجدت ضالتي المنشودة.
    تكرموا بدراسة ظروفي دراسة دقيقة ، ثم تفضلوا بإعطائي رأيكم الذي أرجو أن أجد فيه ما يريح النفس إن شاء الله .
    ع.س.
    الجواب :
    الأخ الفاضل حفظه الله ووفقه .
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
    فأبدأ رسالتي إليكم بإزجاء الشكر لكم على ما أضفتموه علي في رسائلكم السابقة من أوصاف وفضائل ، أسأل الله تعالى أن يجعلني لها أهلا ، وأن يحقق حسن ظنكم بي ، ويغفر لي ما لا تعلمون .
    وأثني بالمعذرة عن تأخري في الإجابة عن رسالتكم بل رسائلكم ، التي سرني ما تضمنته من معان تدل على فهم ووعي ، وخبرة بالحياة والناس ، والحقيقة أني أخرت الرد عليكم عن قصد حسن لا عن إهمال متعمد ، فقد كنت أؤمل أن أجد عند نفسي فراغًا يمكنني من كتابة رد مفصل على رسالتكم ، نظرًا لما اشتملت عليه من رغبة صادقة في معرفة حكم الإسلام - كما أتصوره على الأقل من وجهة نظري - في مسائل مهمة ، أصبحت جزءاً من حياتنا الحاضرة للأسف الشديد .
    ورغم طول المدة لم أتمكن من تحقيق ما رغبت فيه حتى جاءتني رسالتك الأخيرة ، فأجبرتني على أن أكتب لك شيئًا رغم ضيق الوقت وكثرة الشواغل ، ومشكلة أمثالنا : أن الواجبات عندهم أكثر من الأوقات ، والزمن لا ينتظر ، والناس لا يعذرون ، والعمر قصير ، والظهر كليل ، وقد قال حكيم : لا تسأل الله يخفف حملك ولكن سله أن يقوي ظهرك .
    إن المسائل التي سألت عنها كلها تنبع من عين واحدة ، وكلها يعبر عن مشكلة واحدة ، وهي مشكلة الفرد المسلم يعيش في ظل نظام غير إسلامي ، وحياة غير إسلامية .
    إن كل الأمور التي سألت عنها من التأمين على البضائع ، والاقتراض من البنوك لتوسعة التجارة ، ووجود ضرائب تصاعدية عالية في بعض البلاد ، مع ما يجب على المسلم في ماله من زكاة … كل هذه وأمثالها ، لم تكن لتحدث لو كان نظام الإسلام هو الذي يحكم الحياة ، ويقود المجتمع وفق شرع الله . ولكن مأساتنا أننا أخذنا أنظمة الحضارة الغربية وخاصة في المال والاقتصاد ،وهي أنظمة رأسمالية ، تقوم في الأساس على فلسفة للمال غير فلسفتنا ، ونظرة للحياة غير نظرتنا . فالربا يجري منها مجرى الدم في العروق ، لا تحيا إلا به ، ولا يمكنها الاستغناء عنه ، والمعاملات المشتملة على (الغرر) تسري في نظامها كله .. ولهذا يكون من الظلم أن نحاول نحن ترقيع هذا النظام بأجزاء إسلامية ، لأن هذه الأجزاء ستكون ( قطع غيار ) في غير جهازها وغير مكانها .
    إن خطأنا الأساسي أننا نستفتي الإسلام في مشكلات لم يصنعها هو ، ونريد منه أن يعالج أمراضًا جلبناها نحن من مكان آخر ، ولم نتبع أسلوب الإسلام في الوقاية منها .
    نستورد نظام المصارف أو البنوك بعجره وبجره ، كما أنشأته الرأسمالية الغربية الربوية اليهودية ، ونخضع رقابنا له ، ونجري معاملاتنا على أساس وجوده . ثم نقول للإسلام : حل مشكلاتنا مع البنوك الربوية .
    وجواب الإسلام الصحيح : أن دعوا هذه البنوك وأسسوا لأنفسكم مصارف أو (بنوكًا ) إسلامية الأساس تقوم على غير الربا وتتعامل بشرع الله - إن كنتم مؤمنين .
    وليس هذا بالمستحيل ولا بالمتعذر لو صدقت النيات وصحت العزائم ، فقد قيل : إذا صدق العزم وضح السبيل .
    وقد كتب كثير من الباحثين الإسلاميين المتخصصين في المالية والاقتصاد كثيرًا من البحوث الجيدة حول إقامة مصارف إسلامية ، ووضعوا مشروعات عملية لهذا ، ولا يحتاج الأمر إلا إلى التبني من جهات تملك المال والنفوذ .
    قد تقول : وما ذنب الفرد إذا انحرف المجتمع ، أو انحرفت الأنظمة والحكومات ؟ وماذا يستطيع أن يفعل وهو فرد ، لا يقطع عرقًا ولا يريق دمًا ؟
    والجواب : أن المجتمع ما هو إلا أفراده ، وقد ساهم هو بسكوته ورضاه ، بل بتعامله الإيجابي مع المؤسسات اللا إسلامية - في صنع الواقع المخالف للإسلام .
    وينبغي أن يظل الفرد المسلم غير راض عن نفسه ، وعن الأوضاع المعوجة من حوله وأن يبقى هذا الشعور حيًا متوقدًا بين جنبيه ، حتى يستطيع - بالتعاون مع أمثاله من المؤمنين الثائرين على حياتهم وعلى إنحرافات مجتمعهم أن يعملوا على تغيير الأوضاع اللا إسلامية إلى أوضاع إسلامية ، يومًا ما .
    إن هذه الشحنة هي رصيد هذا التغيير المنشود . وبدون هذه الشحنة النفسية من الغضب والنقمة لا أمل في أن يستقيم نظام أعوج ، أو يصحح وضع منحرف .
    لابد أن يبقى الفرد المسلم في ظل الأوضاع المذكورة شاعرًا بالإثم ، وبالضيق ، وبالتبرم ، فإن هذا الإحساس من بقايا الإيمان ، لأن معناه أنه لا يزال يرى المعروف معروفًا والمنكر منكرًا و أن أخطر ما تصاب به الأمة المسلمة أن تفقد - بطول رؤيتها للمنكرات وإلفها لها - إحساسها بها ، وتمييزها لها ، فلا تلبث أن يختلط عليها الأمر ويلتبس عليها السبيل ، وتضطرب في حياتها الموازين ، حتى ترى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا . وقد تتوغل في الضلال ، فتنتهي إلى مرحلة أسوأ وأقبح ، وهي أن تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف ، وربما تفعل ما فعلت بنو إسرائيل ، فتقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس .
    إني أشعر ويشعر كل عالم غيور فاهم لحقيقة الإسلام وحقيقة الأوضاع من حوله ولا يأخذ الأمور بظواهرها ، ومن سطوحها لا من أعماقها - أشعر بأن الفرد المسلم يعاني من هذه الأوضاع ما ينوء به ظهره ، إذا أراد أن يحيا مسلمًا حقًا ، غير مخدوش الإسلام .
    ولكني أشعر بجوار ذلك أن من المخاطرة بدين المرء ، وبمصير المجتمع كله - إصدار ( فتاوى تبريرية ) غايتها محاولة إيجاد مخارج فقهية لإضفاء الشرعية على الواقع الذي يضغط علينا ضغطًا شديدًا ، ناسين أن رسالة الدين أن يرتفع بواقع الناس إلى مثله العليا ، لا أن يهبط بِمُثِلِه ليبرر واقع الناس .
    إن هزيمتنا الروحية والفكرية أمام الحضارة الغربية وشعورنا بالنقص تجاهها ، هي التي وضعتنا هذا الوضع الغريب ، وهي محاولة تطويع الدين للحياة ، بدل تطويع الحياة للدين .
    وأي حياة ؟ : إنها حياة لم نصنعها نحن بعقولنا وأيدينا مختارين ، بل صنعت لنا فأخذناها كما هي ، فنحن معها مجرد مستوردين يأخذون ما يصنع لهم ، لا منتجين يصنعون ما يلائمهم . وفرق كبير بين الصانع والمستورد . الصانع إيجابي منشيء ، والمستورد سلبي مستقبل .
    ولئن جاز استيراد السلع المادية على كراهة ، لا يجوز استيراد الأفكار والمذاهب ، وما ينبثق عنها من أنظمة تعبر عنها ، ولئن حدث ذلك في غفلة الزمن وغيبة الشخصية الإسلامية عن مسرح الواقع - لا يجوز أن يكون عملنا الفكري البحث عن فتاوى ، لإلباس الأوضاع الأجنبية زيًا شرعيًا .
    إن أول مظاهر السيادة والاستقلال أن نتحرر من عقدة النقص تجاه الغرب وفلسفته وحضارته وأنظمته ، وأن نصمم على أن نقول "لا" بملء فينا ، لكل ما لا يوافق ديننا .
    إننا لا نبقي للدين أي احترام إذا جعلنا مهمته تبرير الواقع وتسويغ ما يفعله الحكام ، الحكام يمينيين كانوا أو يساريين ، رأسماليين أو اشتراكيين . أي جعلناه مجرد ( موظف تشريفات ) عمله أن يرحب بكل وضع جديد ، ويبارك كل نظام مستحدث ، فهو في أيام سطوة الرأسمالية يحلل الربا والاحتكار والتظالم الاجتماعي ، وفي أيام سطوة الاشتراكية يجيز التأميم والمصادرات بحق وبغير حق ..
    المشكلة إذن ليست مشكلتك يا أخي وحدك ، ولكنها مشكلة الأمة الإسلامية في هذا العصر : هل تريد أن تعيش بالإسلام وتحيي نظامه وحضارته أم تريد أن تظل ذيلا للحضارة الغربية بشقيها الرأسمالي والاشتراكي .
    وبعبارة أخرى : هل تريد أن تعيش لرسالتها ، أصيلة تقود ولا تقاد وتُتبع ولا تَتبع أم تريد أن تحيا حياة القرود ، مهمتها التقليد والمحاكاة ؟
    الأمر يا أخي أكبر مما تتصور ، ويتصور بعض المتعجلين من المشتغلين بالفقه والفتوى ، فلا تحمل على علماء الدين إذا خالفوك في الاتجاه ، ولا ترمهم بجهل الدين والحياة ، وثق أن عمر - الذي تحدثت عنه في رسالتك - لو كان موجودًا اليوم لرفض هذه الأوضاع كلها ، وغيرها باسم الإسلام ، ولم يجعل أكبر همه أن يسوغها بأي سبيل .
    على أن المسائل التي سألت عنها ليست في درجة واحدة من حيث القبول والرفض ، ولعل أقربها إلى القبول عملية التأمين على البضائع فيمكن أن يكون لها وجه من الناحية الشرعية لولا أنها مشوبة بالربا ، كما هو الشأن في كل شركات التأمين حاليًا .
    ويمكن إجازة ذلك بحكم الظروف الراهنة ، وبقدر الحاجة ، بخلاف التأمين على الحياة ، فهو بعيد كثيرًا عن صور المعاملات الإسلامية ، ولا ضرورة إليه .
    أم الاقتراض من البنوك بالفوائد ، فهو حرام قطعًا ، لأنه الربا الذي لعن محمد صلى الله عليه وسلم آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه . ولا يحل مثل هذا الحرام القطعي إلا لضرورة ، مثل الحاجة إلى القوت للأولاد ، والكسوة الضرورية لهم ، وعلاج المريض الذي يخشى عليه من تفاقم المرض ونحو ذلك .
    أما التوسع في التجارة فليس ضرورة يباح لها مثل هذا الحرام الذي آذن القرآن أصحابه بحرب من الله ورسوله .
    وليعش المسلم قانعًا بالقليل من الحلال مباركًا له فيه ، بدل الكثير من الحرام الذي يمحقه الله في النهاية ، فالربا وإن أكثر فهو إلى أقل .
    أما موضوع ما تدفعه من ضرائب تصاعدية باهظة لتلك الدولة التي ذكرتها من الزكاة ، وهي دولة لا دينية ، ومن بين سكانها مسلمون ونيتك أن يكون هذا للمسلمين من رعاياها .. فهذا ما لا يجوز بحال . فإنما يصح أن يحتسب ما يؤخذ من المال زكاة إذا توافرت له شروط ثلاثة .
    1. أن يؤخذ ما يؤخذ باسم الزكاة ورسمها ، أي بشروطها ونسبها ومقاديرها الشرعية ، لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الكبرى ، والشعائر لابد أن تبقى لها صورتها وعنوانها .
    2. أن يصرف في مصارف الزكاة الشرعية كما أمر الله في كتابه . وهذا مترتب على الأول .
    3. أن يدفع بنية الزكاة ، لأنها عبادة ولا تجزيء إلا بنية .
    فلو سلمنا بتحقيق الشرط الثالث وهو النية ، فمن أين لنا بالشرطين الأولين ؟
    ولقد رجحت في كتابي ( فقه الزكاة ) أن الضرائب الوضعية في البلاد الإسلامية نفسها لا يجوز أن تحتسب من الزكاة ، فكيف ببلاد وثنية أو لا دينية لعل المسلمين لا يصيبهم من دخل حكوماتها إلا الفتات لو أصابوه .
    وما اخترته هنا هو ما أفتى به العلامة المجدد السيد رشيد رضا ، وشيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت رحمهما الله . وقد قرأت أخيرًا أن مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد في القاهرة في مايو 1965 اتخذ ذلك قرارًا هذا نصه :
    ( إن ما يفرض من الضرائب لمصلحة الدولة ، لا يغني القيام به عن أداء الزكاة المفروضة ) .
    ولهذا ، فإن عليك أن تقوى إرادتك ، وتعزم على إخراج زكاتك ، تطهيرًا لنفسك ومالك وشكرًا لنعمة الله عليك ، فما أظن تلك الضرائب تطهر نفسًا أو مالا أو تفي بشكر النعمة ، ولا أظنك تعتقد هذا أيضًا .
    ومعنى هذا أن المتدين يتحمل من الأعباء المالية ما لا يتحمله غيره ، وهذا صحيح . ولكن هذه ضريبة الإيمان والإسلام في عصر ضعف فيه الدين ، وقل اليقين ، ولهذا جاء في الحديث : ( أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر ) وكان المستمسك بدينه في خضم فتن هذا العصر له أجر خمسين من بعض الصحابة .
    وأعتقد أن في هذه الصفحات ما يكفي لتوضيح ما سألت عنه ، ووصله بجذوره الحقيقية ، وما كنت أحسب حين أمسكت بالقلم إلا أنني سأكتب لك سطورًا معدودة ، ولكن الله هو الذي قدر لي أن أكتب ما كتبت ، عسى أن يكون فيه نفع وعبرة .
    أما ما تشكوه من إرهاق الجسم ، وقلق النفس ، وتوتر الأعصاب ، فأنصحك بتلاوة القرآن تلاوة تدبر، والتضرع إلى الله تعالى والوقوف على عتبته موقف العبودية الخاشعة ، ومجالسة الصالحين ما استطعت وقراءة سيرهم ، ففي ذلك شفاء لما في الصدور .
    وإني لمعجب بكلامك العميق البصير عن الطب النفسي ورجاله ، وأسأل الله أن يشرح لك صدرك ، وييسر لك أمرك ، ويثبت على الحق قدميك ، ويجعل لك نورًا تمشي به في الظلمات ، وفرقانًا تميز به بين المتشابهات ، ويغنيك بحلاله عن حرامه ، وبطاعته عن معصيته ، وبفضله عمن سواه ، وأن يجعل لنا حظًا من هذه الدعوات معك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    سماع الأغاني
    س: يحرم بعض الناس سماع الأغاني -أيًا كان لونها- مستدلين بقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين) .
    واحتجوا بأن بعض الصحابة قالوا: إن لهو الحديث في الآية هو الغناء، كما يحتجون بآية أخرى هي قوله تعالىوإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) والغناء من اللغو فهل هذا الاستدلال بالآيتين صحيح؟ وما رأيكم في سماع الأغاني؟
    أفتونا في هذه المسألة الخطيرة، فإن الناس تنازعوا تنازعًا شديدًا وفي حاجة إلى حكم بيِّن وقول فصل، ولكم منا الشكر ومن الله الثواب .
    ج: مسألة الغناء بآلة (أي مع الموسيقى) وبغير آلة، مسألة ثار فيها الجدل بين فقهاء المسلمين منذ الأعصر الأولى ، فاتفقوا في مواضع، واختلفوا في أخرى .
    اتفقوا على تحريم كل غناء يشتمل على فحش أو فسق أو تحريض على معصية، إذ أن الغناء ليس إلا كلامًا فحسنه حسن وقبيحه قبيح. وكل قول يخالف أدب الإسلام فهو حرام ، فما بالك إذا اجتمع له الوزن والنغم وقوة التأثير؟
    واتفقوا على إباحة ما خلا من ذلك في مواطن السرور المشروعة كالعرس، وقدوم الغائب وأيام الأعياد، وقد وردت في ذلك نصوص صحيحة صريحة .
    واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافًا بينًا، فمنهم من أجاز كل غناء بآلة وبغير آلة بل اعتبره مستحبًا، ومنهم من منعه بآلة وأجازه بغير آلة، ومنهم من منعه منعًا باتًا، بل عده حرامًا.
    والذي نفتي به ونطمئن إليه من بين تلك الأقوال: إن الغناء -في ذاته- حلال فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص صحيح بحرمتها، وكل ما ورد في تحريم الغناء فهو إما صريح غير صحيح أو صحيح غير صريح. ومن ذلك الآيتان المذكورتان في السؤال.
    فأما الآية الأولى (ومن الناس من يشتري لهو الحديث)لقمان:6 الخ . فقد استدل بها بعض الصحابة والتابعين على حرمة الغناء وخير جواب لنا عن تفسيرهم هذا ما ننقله عن الإمام ابن حزم في المحلى: قال: لا حجة في هذا لوجوه: أحدهما أنه لا حجة لأحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين.والثالث أن نص الآية يبطل احتجاجهم، لأن الآية بها وصف (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم، ويتخذها هزوًا) وهذه صفة من فعلها كان كافرًا بلا خلاف، ولو أن امرءاً اشترى مصحفًا ليضل به عن سبيل الله ويتخذها هزوًا لكان كافرًا، فهذا هو الذي ذمه الله تعالى، وما ذم قط عز وجل من اشترى لهو الحديث ليتلهى به، ويروح نفسه، لا ليضل عن سبيل الله تعالى. وكذلك من اشتغل عن الصلاة عامًدا بقراءة القرآن أو بقراءة السنن أو بحديث يتحدث به أو بغناء أو بغير ذلك فهذا فاسق عاص لله تعالى، ومن لم يضيع شيئًا من الفرائض اشتغالا بما ذكرنا فهو محسن. أهـ .
    وأما الآية الثانية (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه)القصص:55 فالاستدلال بها على حرمة الغناء غير سليم أيضا، فإن الظاهر من الآية أن اللغو هو سفه القول من السب والشتم ونحو ذلك. وبقية الآية تنطق بذلك، قال تعالى (وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم . سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) فهي شبيهة بقوله تعالى في عباد الرحمنوإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا) .
    ولو سلمنا أن اللغو في الآية يشمل الغناء لوجدنا الآية تستحب الأعراض عن سماعه وتمدحه وليس فيها ما يوجب ذلك.
    وكلمة اللغو ككلمة الباطل تعني ما لا فائدة فيه، وسماع ما لا فائدة فيه ليس محرمًا ما لم يضيع حقًا أو يشغل عن واجب.
    روي عن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك؟ فقال: لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو، وقال تعالىلا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم).
    قال الإمام الغزالي:"إذا كان ذكر اسم الله تعالى على الشيء عن طريق القسم من غير عقد عليه ولا تصميم والمخالفة فيه على أن لا فائدة فيه-لا يؤاخذ به، فكيف يؤاخذ بالشعر والرقص؟"
    على أنا نقول: ليس كل غناء لغوًا، أنه يأخذ حكمه وفق نية صاحبه، فالنية الصالحة تجعل اللهو قربة والمزح طاعة، والنية الخبيثة تحبط العمل الذي ظاهره العبادة وباطنه الرياء (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم)
    وننقل هنا كلمة جيدة قالها ابن حزم في المحلى ردًا على الذين يمنعون الغناء قال:"واحتجوا فقالوا: أمن الحق الغناء أم من غير الحق؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث" وقد قال الله تعالى(فماذا بعد الحق إلا الضلال) الفرقان:63
    فجوابنا وبالله التوفيق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل أمرئ ما نوى) فمن نوى باستماع الغناء عونًا على معصية الله تعالى فهو فاسق، وكذلك كل شيء غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليقوى بذلك على طاعة الله عز وجل، وينشط نفسه بذلك على البر فهو مطيع محسن، وفعله هذا من الحق. ومن لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه كخروج الإنسان إلى بستان متنزهًا ، وقعوده على باب داره متفرجًا وصبغة ثوبه لازورديًا أو أخضر أو غير ذلك، ومد ساقه وقبضها وسائر أفعاله . (المحلى)
    وأما الأحاديث التي استدل بها المحرمون فكلها مثخنة بالجراح، لم يسلم منها حديث دون طعن في ثبوته أو دلالته أو فيهما معًا. قال القاضي أبوبكر بن العربي في كتابه "الأحكام": لم يصح في التحريم شيء، وكذا قال الغزالي وابن النحوي في العمدة، وقال ابن حزم: كل ما روي فيها باطل موضوع.
    وإذا سقطت أدلة التحريم بقي الغناء على الإباحة الأصلية، فكيف وقد جاءت نصوص ثابتة تفيد حل الغناء. نكتفي منها بما ورد في الصحيحين أن أبا بكر دخل على النبي في بيت عائشة وعندها جاريتان تغنيان فانتهرهما أبو بكر وقال: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال النبي عليه السلام: (دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد) ولم يرد ما ينهى عن الغناء في غير العيد، وإنما المعنى أن العيد من المواطن التي يستحب فيها إظهار السرور بالغناء وغيره من اللهو البريء .
    ولكن لا ننسى في ختام هذه الفتوى أن نضيف إليها قيودًا لابد من مراعاتها:
    ( أ ) فلابد أن يكون موضوع الأغنية مما يتفق وتعاليم الإسلام وآدابه..
    فالأغنية التي تقول: "الدنيا سيجارة و كأس" مخالفة لتعاليم الإسلام الذي يجعل الخمر رجسًا من عمل الشيطان ويلعن شارب "الكأس" وعاصرها وبائعها وحاملها وكل من أعان فيها بعمل.
    والأغنية التي تمجد صاحب "صاحبة العيون الجريئة" أغنية تخالف أدب الإسلام الذي ينادي كتابه: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)، (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)..ويقول رسول الله: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وعليك الثانية) وهكذا ..
    (ب) ثم إن طريقة الأداء لها أهميتها، فقد يكون الموضوع لا بأس به، ولا غبار عليه، ولكن طريقة المغني أو المغنية في آدائه بالتكسر في القول، وتعمد الإثارة، والقصد إلى إيقاظ الغرائز الهاجعة، وإغراء القلوب المريضة -ينقل الأغنية من دائرة الحلال إلى دائرة الحرام من مثل ما يسمعه الناس ويطلبه المستمعون والمستمعات من الأغاني التي تصرخ بـ "ياه" و "يوه" "ييه" الخ.
    ولنذكر قول الله لنساء النبي: ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض).
    (جـ) هذا إلى أن الدين حرم الغلو والإسراف في كل شيء حتى في العبادة، فما بالك بالإسراف في اللهو وشغل الوقت به ولو كان مباحًا، أن هذا دليل على فراغ القلب والعقل من الواجبات الكبيرة والأهداف العظيمة، ودليل على إهدار حقوق أخرى كان يجب أن تأخذ حظها من وقت الإنسان المحدود، وما أصدق وأعمق ما قاله ابن المقفع: "ما رأيت إسرافًا إلا وبجانبه حق مضيع".
    ( د ) على أن المستمع -بعد الحدود التي ذكرناها- يكون فقيه نفسه، فإذا كان الغناء أو نوع خاص منه يستثير غريزته، ويغريه بالفتنة ويسبح به في شطحات الخيال الحسي فعليه أن يتجنبه ويسد الباب الذي تهب منه رياح الفتنة على قلبه ودينه وخلقه فيستريح ويريح.
    ولا ريب أن هذه القيود قلما تتوافر جميعًا في أغاني هذا العصر بكمها وكيفها وموضوعها وطريقة أدائها والتصاقها بحياة أقوام بعيدين كل البعد عن الدين وأخلاقياته و مثله. فلا ينبغي للمسلم التنويه بهم، والمشاركة في نشر ذكرهم، وتوسيع نطاق تأثيرهم إذ به يتسع نطاق إفسادهم.
    ولهذا كان الأولى بالمسلم الحريص على دينه أن يأخذ بالعزيمة لنفسه وأن يتقي الشبهات وينأى بنفسه عن هذا المجال الذي يصعب التخلص فيه من شائبة الحرام إلا ما ندر.
    ومن أخذ بالرخصة فليتحر لنفسه وليتخير ما كان أبعد عن مظان الإثم ما استطاع، وإذا كان هذا في مجرد (السماع) فإن الأمر في (الاحتراف) بالغناء يكون أشد وأخوف، لأن الإندماج في البيئة "الفنية" كما تسمى خطر شديد على دين المسلم يندر من يخرج منه سالمًا معافى..
    وهذا في الرجل، أما المرأة فالخطر منها وعليها أشد، ولذا فرض الله تعالى عليها من التصون والتحفظ والاحتشام في لبسها ومشيتها وكلامها ما يباعد الرجال من فتنتها وما يباعدها من فتنة الرجال ويحميها من أذى الألسن وشره الأعين وطمع القلوب المريضة كما قال تعالى: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وقال: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) .
    واحتراف المرأة المسلمة للغناء يعرضها لأن تَفتن أو تُفتن ويورطها في محرمات قلما تستطيع التغلب عليها من الخلوة بالأجنبي للتلحين أو التسجيل أو التعاقد أو غيرها، ومن الاختلاط بالرجال الأجانب عنها اختلاطًا لا تقره الشريعة، بل الاختلاط بالنساء المتبرجات "المتحررات" من المسلمات بالوراثة ومن غير المسلمات هو محرم أيضًا .

  2. #2
    مشرف قسم الموضوعات العامة الصورة الرمزية محمد صلاح
    تاريخ التسجيل
    Apr 2006
    الدولة
    Canada
    المشاركات
    1,397

    مشاركة: بعض الفتاوي الهامة في حياتنا

    شكر جزيلا لك اخى الكريم على مشاركاتك الرائعة
    لكن يجب ان تذكر المصدر لانه لا يجوز اتباع الفتاوى مجهولة الهوية
    م. محمد صلاح الدين
    معيد بقسم هندسة القوى و الالات الكهربية
    كليه الهندسة - جامعة الزقازيق

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. حياتنا في هذه القصة
    بواسطة mostafa ahmed في المنتدى نادى المهندسين
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 28-02-09, 10:37 PM
  2. حياتنا اليوميه الروتينيه
    بواسطة طارق أحمد محمد في المنتدى نادى المهندسين
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 23-08-08, 02:16 PM
  3. حياتنا في هذه القصة
    بواسطة محمد محمود داوود في المنتدى نادى المهندسين
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 17-04-08, 07:08 PM
  4. موسوعة الفتاوى الألكترونية للشيخ عطية صقر 1200 فتوى فى شتى المجالات
    بواسطة eng_amirelrefaey في المنتدى نادى المهندسين
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 14-11-07, 02:26 PM
  5. جميع الفتاوى الخاصة بشهر القرآن
    بواسطة oowinato في المنتدى ملتقى التعارف و الأصدقاء
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 12-10-06, 03:18 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
 

 

 

Flag Counter